البريد الألكتروني الصفحة الرئيسية
اللغات
المؤلف  
الكتب
المقالات
الفيديو
جميع أعمال هارون يحيى
 
الجـزء الثـانـي الذين لا يبصرون حقـيقـة الخـلق
الجـزء الثـانـي
الذين لا يبصرون
حقـيقـة الخـلق


 

خداع التطـور

نظرية التطور هي فلسفة ومفهوم ينتج عنه فرضيات ظنية كاذبة، واعتقادات ونصوص خيالية من أجل البرهنة على أن وجود الحياة وأصلها ليسا إلا مجموعة مصادفات. وتعود جذور هذه الفلسفة إلى ماض بعيد حيث الإغريق القدامى.

يعتنق كل الملحدين الذين ينكرون الخلق نظرية التطور ويدافعون عنها. ينطبق ذات الشيء على المذاهب والأنظمة التي تناصب الدين العداء.

تخفت نظرية التطور تحت عباءة العلم طوال قرن ونصف القرن لتعطي لنفسها حق التواجد على الساحة. وبالرغم من إحرازها تقدما كنظرية علمية خلال منتصف القرن التاسع عشر إلا أنه، ومع كل الجهود التي بذلها المدافعون عنها، لم تثبت التجارب أو المكتشفات العلمية صحتها.. في الحقيقة تُعرّفنا "الحقيقة العلمية جدا" التي تقوم عليها النظرية، وتستمر في تعريفنا، بأن نظرية التطور ليس لها أي امتياز في عالم الحقيقة.

لقد أوضحت الحسابات الافتراضية والتجارب المخبرية أن الحمض الأميني الذي تنشأ عنه الحياة لا يمكن أن يكون قد تشكل عن طريق الصدفة.حتى الآن لم يتمكن أحد من تركيب الخلية، التي افترض أنها نشأت مصادفة تحت شروط بدائية أرضية غير محكمة، كما يقول التطوريون، حتى في أعقد وأرقى المخابر العالمية في القرن العشرين. ولم يتم العثور على أي مخلوق "بشكل تحولي" كما يقول الخلق المتدرج للأعضاء من عضو بدائي جدا، حسب ما تدعيه النظرية الداروينية، في أي مكان من العالم بالرغم من البحث الكثيف والطويل ضمن سجل المستحاثات.

ومن خلال المحاولات المستميتة التي جاهد بها التطوريون لإيجاد دليل على نظريتهم، أثبتوا بأيديهم أن التطور لا يمكن أن يحدث على الإطلاق!

واضع هذه النظرية بالصيغة التي يتم الدفاع عنها في عصرنا هذا هو عالم أحياء انجليزي غض يدعى تشارلز داروين Charles Robert Darwin.وضع داروين أفكاره في البداية ضمن كتاب أسماه "أصل الأنواع عن طريق الاختيار الطبيعي" عام 1859. يدعي داروين في كتابه أن كل الأحياء لها سلف واحد وأنها تطورت عن بعضها بطريق الانتقاء الطبيعي. والذين يتم قبولهم في المحيط الذي يعيشون فيه، تنتقل صفاتهم إلى الأجيال التالية، ومن خلال التراكم عبر الأزمنة تقوم هذه الصفات الجيدة بتحويل الأفراد إلى أنواع مختلفة تماما. وبهذا يكون الإنسان أكثر منتجات الانتقاء الطبيعي تطورا. باختصار يكون أصل كل نوع من الأنواع نوع آخر.

تم التقاط أفكار داروين الباهرة من قبل دوائر مذهبية وسياسية معينة وتم الترويج لها لتصبح شائعة بين أوساط العامة. والسبب وراء ذلك يعود إلى أنه في ذلك الحين لم يكن المستوى العلمي كافيا للكشف عن خداع وزيف المخططات الخيالية الداروينية. فعندما وضع داروين افتراضاته لم تكن علوم المورثات والأحياء والكيمياء الحيوية موجودة. ولوكانت موجودة، لعرف داروين أن نظريته لا أساس في عالم العلوم ولما تمادى فيها بدون معنى: حيث تثبت المعلومات التي تقول بتحديد الأنواع، والتي وجدت حديثا، أنه من المستحيل على الانتقاء الطبيعي أن ينتج أنواعاً جديدة بتغيير المورثات.

لم تكن أصداء كتاب داروين لتقبل ببساطة. فقد اكتشف العالم الاسترالي النباتي ماندل قوانين الوراثة عام 1865. وبالرغم من أن المعلومات التي تواجدت حتى نهاية القرن لم تكن وافرة، إلا أن اكتشافات ماندل لاقت اهتماماً كبيراً في بداية القرن العشرين مع ولادة علم المورثات. بعد ذلك بوقت قصير تم اكتشاف بنيات المورثات والصبغيات. وسبب اكتشاف جزيء DNA ،الذي يحوي على المعلومات الجينية، عام 1950 أزمة كبيرة لنظرية التطور، لأن كمية المعلومات الكبيرة التي يحملها هذا الجزيء لا يمكن أن تفسر على ضوء الأحداث التصادفية. بالإضافة إلى كل هذه التطورات العلمية، فإنه لم يتم العثور على أي نوع من أنواع الأشكال المتحولة التي يفترض أن تدل على تطور العضويات التدريجي من حالة بدائية إلى أنواع متطورة بالرغم من سنوات طويلة من البحث والاكتشاف.

وانضمت هذه التطورات التي نتجت في نظرية داروين إلى نفايات التاريخ. إلا أن هذه النظرية لا تكتسب أهميتها من خلال إصرار بعض الدوائر على مراجعتها وإعادة صياغتها والصعود بها إلى منصة العلم، بل من المآرب المذهبية التي تكمن وراءها.

قامت الدوائر التي اعتقدت بضرورة استمرار نظرية وصلت إلى طريق مسدود بإنشاء صيغة جديدة لها. هذه الطريقة الجديدة هي "الداروينية الجديدة" وحسب هذه النظرية فإن الأنواع تتطور كنتيجة عن حدوث الطفرة، أي تغير بسيط في المورثات، ويبقى على قيد الحياة أكثرها ملائمة حسب قانون الانتخاب الطبيعي.وعندما ثبت أن الآلية التي تقول بها الداروينية الحديثة غير صالحة، وأن تغيرات بسيطة غير كافية لتشكيل كائنات حية، ، راح التطوريون يبحثون عن طرق جديدة. خرجوا بادعاء جديد أطلقوا عليه مصطلح "التوازن المتقاطع" لا يستند إلى أي أسس علمية أو عقلية. يقول هذا المبدأ ان الكائنات الحية قد تطورت فجأة إلى أنواع أخرى دون أشكال تحولية. بتعبير آخر ظهرت أنواع دون جدود تطورية. هذه طريقة وصف الخلق. وبالرغم من أن التطوريين كانوا ينفرون من هذا المبدأ إلا أنهم حاولوا أن يغطوه باعتبارات غير مفهومة. مثلا قالوا بأن الطير الأول الذي عرفه التاريخ ظهر فجأة من بيضة أحد الزواحف. نفس النظرية تقول بأن اللواحم الأرضية قد تحولت إلى حيتان عملاقة بعد تحول مفاجئ وشامل.

الحس العلمي لهذه الإدعاءات التي تعارض كافة قواعد علم المورثات والفيزياء العضوية والكيمياء العضوية، مثل الحس الواقعي للقصص الخيالية التي يتحول فيها الضفدع إلى أمير‍. وبالرغم من ذلك، وبعد خيبة الأمل التي سببتها الأزمة التي وقعت فيها الداروينية الحديثة، اعتنق بعض علماء الأحياء القديمة التطوريون هذه النظرية مع كونها أكثر شذوذا من الداروينية الحديثة نفسها. الهدف الوحيد لهذا النموذج هو تقديم تفسير للثغرات الموجودة في السجل الإحاثي الذي عجزت الداروينية الحديثة عن تفسيرها. ولكن من غير المقبول عقليا محاولة تفسير الثغرة الموجودة في سجل مستحاثات تطور الطيور بالادعاء "بخروج الطير فجأة من بيضة أحد الزواحف"، لأن تطور نوع عن نوع أخر، وحسب قول التطوريين أنفسهم، يحتاج إلى تغير كبير وواسع في المعلومات الجينية. على كل حال لا يمكن للطفرة أن تحدث تطوراً في المعلومات الجينية أو تزيد عليها شيئا، هي فقط تقوم بتشويش المعلومات الجينية. لذلك فإن الطفرة الكبيرة التي يتخيلها نموذج "التوازن المتقاطع" هي إنقاص أو إفساد "كبير" في المعلومات الجينية.

هذه النظرية ما هي إلا محض خيال. وبالرغم من هذه الحقيقة إلا أن المدافعين عن التطور لم يترددوا في مديحها. أجبرهم على ذلك عدم إمكانية تفسير نموذج التطور الذي اقترحه دارون على أساس السجل الإحاثي. يدعي داروين أن الأنواع تمر عبر تغير متدرج، الذي يتطلب وجود استثناءات نصف طائر/نصف زاحف أو نصف سمكة/نصف زاحف. على كل حال لم يمكن العثور على أي من هذه "الأشكال المتطورة" بالرغم من الدراسات المكثفة التي أجراها التطوريون وآلاف المستحاثات التي تم استخراجها.

تعلق التطوريون بهذا النموذج "التوازن المتقاطع" على أمل تمكنهم من إخفاء الإخفاق الكبير الذي حصل من خلال السجل الإحاثي. وكما أسلفنا، فإن هذه النظرية هي خيال محض لذلك لم تلبث أن استهلكت نفسها. لم يصمد نموذج "التوازن المتقاطع" كنموذج دائم، ولكنه استخدم كنوع من الهروب في الحالات التي لا تتوافق مع نموذج التطور التدريجي. فقد أدرك التطوريون اليوم أنه ليس بإمكانهم تفسير الأعضاء المعقدة مثل الأعين والأجنحة والرئتين والدماغ على أساس التطور المتدرج، لذلك هم مضطرون إلى الاستراحة مع التفسيرات الخيالية لنموذج التوازن المتقاطع.

هل هناك أي سجل إحاثي يثبت نظرية التطور؟

تزعم نظرية التطور أن تطور نوع إلى نوع آخر يحدث بشكل تدريجي خطوة خطوة عبر ملايين السنين. الاستدلال المنطقي من هذا الادعاء يقول بوجود عدد ضخم جدا من العضويات الني تسمى "الأشكال التحولية" عاشت خلال فترات التحول هذه. وحيث يدعي التطوريون أن كافة الأنواع قد تطورت عن بعضها خطوة خطوة ، فلا بد من وجود الملايين من الأشكال التحولية المتنوعة .

ولو كانت مخلوقات كهذه عاشت فعلا، فلا بد وأن نجد بقاياها في كل مكان. في الحقيقة، لو كانت هذه النظرية صحيحة ، فسيكون عدد الأشكال التحولية الوسيطة أكبر بكثير من عدد الحيوانات التي تعيش اليوم ولامتلأ العالم ببقاياها الإحاثية.

منذ زمن دارون والتطوريون جادون في البحث عن مستحاثات والنتيجة خيبة أمل ذريعة. لم يتمكنوا من العثور على الأشكال التحولية الوسيطة التي قالوا بحدوثها بين نوعين في أي مكان سواء على الأرض أو في أعماق البحار.

داروين نفسه كان يعلم أن هذه الأشكال غير موجودة ويأمل في العثور عليها في المستقبل. وبالرغم من يأسه، فقد كان يرى أن أكبر حجر عثرة في طريق نظريته هو غياب الأشكال التحولية. لهذا السبب كتب في كتابه "أصل الأنواع":

"إذا كانت الأنواع قد انحدرت من أنواع أخرى بتدرج هادئ، فلماذا لا نجد عدد لا يحصى من الأشكال التحولية في كل مكان؟ لماذا لا تعيش الطبيعة باضطراب وفوضى، على عكس ما نرى من وجود الأنواع بشكل منظم؟... ولكن حسب هذه النظرية لا بد من وجود عدد لا يحصى من الأشكال التحولية ، لماذا لا نجدها مدفونة بأعداد كبيرة في القشرة الأرضية؟... ولكن في المنطقة الوسيطة ظروف وسيطة من الحياة، لماذا لا نجد الآن تنوعات وسيطة قريبة الصلة؟ هذه المشكلة أربكتني لوقت طويل."1

كان داروين محقا في قلقه. فقد أربكت هذه المشكلة غيره من التطوريين مثل عالم الأحياء القديمة الانجليزي المشهور "ديريك آغر" Derek V. Ager الذي أقر بهذه الحقيقة المربكة:

"النقطة المثارة هي أننا إذا أمعنا النظر في السجل الإحاثي- المرة تلو المرة - فإننا لا نجد، على مستوى نظام الأنواع تطورا تدريجيا بل ظهورا مفاجئا لأحدى المجموعات على حساب الأخرى.2

لا يمكن لثغرات السجل الإحاثي أن تفسر بطريقة التمني والقول بأنه لم يتم استخراج مستحاثات كافية بعد وأن هذه المستحاثات الضائعة يمكن أن توجد في يوم من الأيام. ويشرح عالم الأحياء القديمة نيفيل جورج Neville George السبب:

"لا حاجة لإيجاد أعذار لفقر السجل الإحاثي بعد الآن. فقد أصبح غنيا والبحث فيه متكاملٌ... وفي جميع الأحوال يستمر السجل الإحاثي بتشكله مع الكثير من الثغرات.3

نشأت الحياة على الأرض فجأة وبأشكال معقدة

عند دراسة الطبقات الأرضية والسجل الإحاثي نرى أن الكائنات قد تواجدت بشكل متزامن. تعود أقدم طبقة أرضية احتوت على مستحاثات لكائنات حية إلى العصر "الكامبري" أي إلى حوالي530-520 مليون سنة. ظهرت الكائنات الحية في الطبقات التي تعود إلى العصر الكامبري في السجل الإحاثي فجأة ودون أسلاف سابقة. نشأت الأنواع الكثيرة من الكائنات الحية، والتي تتضمن عدداً كبيراً من الأحياء ذات البنيات المعقد، بشكل مفاجئ تماما حتى أن هذا الحادث المعجز أطلق عليه اسم "الانفجار الكامبري" في المصطلح العلمي.

أغلب هذه الأحياء التي وجدت في الطبقة الأرضية لها أعضاء متطورة مثل الأعين، أو الأنظمة التي يمكن ملا حظتها في الأحياء المتطورة مثل الغلاصم، والأنظمة الدورانية، وما إلى ذلك. ليس هناك في السجل الإحاثي ما يشير إلى أن هذه الأحياء لها أي أجداد. يقول ريتشارد مونستارسكي Richard Monestaresky، محرر مجلة علوم الأرض، حول النشوء المفاجئ للأنواع الحية:

"منذ نصف مليون سنة ظهرت أشكال معقدة من الحيوانات التي يمكننا رؤيتها. اللحظة التي شهدت بداية العصر الكامبري أي منذ 550 مليون سنة هي العلامة على الانفجار التطوري الذي ملأ البحار بأول الكائنات المعقدة. لقد كانت قبيلة الحيوانات الكبيرة الموجودة اليوم متواجدة أيضا في العصر الكامبري المبكر وكانت مختلفة كل عن الآخر تماما كما هي عليه اليوم.4

عندما وجد التطوريون أنفسهم غير قادرين على الإجابة عن سؤال كيف فاضت الأرض بالآلاف من أنواع الحيوانات المختلفة، اختلقوا فترة زمنية تعود إلى 20 مليون سنة قبل الفترة الكامبرية لتفسير كيف نشأت الحياة وأطلقوا عليها اسم "الثغرة التطورية". لا يوجد أي دليل على هذا حتى اليوم ومازال هذا المفهوم ضبابيا وغير محدد.

في عام 1984 تم اكتشاف الكثير من الفقاريات المعقدة في تشينجيانغ، الموجودة في مرتفع يونّان في المنطقة المرتفعة من جنوب الصين. من بينها ثلاثيات الفصوص، فقاريات منقرضة، إلا انها لا تقل تعقيدا عن أي فقاري في عصرنا هذا.

يصف التطوري عالم الأحياء القديمة السويدي ستيفان بينغستون Stefan Bengston الحالة كالتالي:

"إذا كان هناك ما يوازي أساطير خلق الإنسان، فسيكون التنوع المفاجئ للحياة البحرية عندما سادت الأحياء المتعددة الخلايا كعوامل مهيمنة في علم التبيؤ والتطور. لا زالت هذه الحادثة التي أربكت داروين تحيرنا.5

لم يكن التطوريون أقل حيرة بشأن الظهور المفاجئ لهذه الأحياء المعقدة بدون أي سلف من داروين قبل 135 سنة. لم يتقدموا خلال قرن ونصف أي خطوة أبعد من النقطة الحرجة التي وقف عندها داروين.

كما تبين لدينا لا يقدم السجل الإحاثي دليلا على أن أيا من الكائنات الحية قد تطور من الأشكال البدائية إلى أشكال متطورة، بل يثبت أنها نشأت سويا فجأة وفي شكل متكامل. إن غياب الأشكال التطورية ليس حكرا على العصر الكامبري ، إذ لم يتم العثور على أي شكل تطوري يثبت الزعم التطوري للفقاريات "المتقدمة" -من السمك إلى البرمائيات إلى الزواحف إلى الطيور والثدييات- في أي مكان. كل الأحياء خلقت في وقت واحد وبشكلها المتكامل والتام كما في السجل الإحاثي.

وبتعبير آخر لم تأت الأحياء إلى الوجود من خلال التطور. الأحياء خلقت خلقا.

تلفيقات التطور
الخداع في الرسومات

السجل الإحاثي هو المصدر الوحيد لأولئك الذين يبحثون عن دلائل لإثبات نظرية التطور. وعندما نتأمل بتأن ودون تحيز، نجد أن السجل الإحاثي يرفض النظرية ولا يدعمها. ومع ذلك فقد أعطت التفسيرات المضللة للمستحاثات التي قال بها التطوريون وممثليهم المتحيزين لنظريتهم انطباعا لدى معظم الناس على أن السجل الإحاثي في صف نظرية التطور.

تعتبر إمكانية قبول بعض المكتشفات في السجل الإحاثي تفسيرات مختلفة أكبر خدمة للتطوريين. ولم تكن المستحاثات المكتشفة مقنعة كتفسيرات يعول عليها بشكل عام. فهي في الغالب تتكون من عظام مبعثرة وأجزاء عظمية غير متكاملة. لذلك من السهل تشويه المعلومات المتوفرة واستخدامها كل حسب رغبته. ولا عجب أن تكون البنيات المعاد تركيبها (رسومات ونماذج) من قبل التطوريين والتي تقوم على مستحاثات كهذه قد أعدت بشكل تخيلي بحت لإثبات الأفكار التطورية. وبما أن الناس يؤخذون بالمعلومات المرئية، فقد تم توظيف هذه النماذج المعاد تركيبها لإقناعهم بأن مخلوقات أعيد تركيبها كانت موجودة في الماضي.

يرسم الباحثون التطوريون الإنسان وهو يبرز سنا واحدة، أو جزءًا من الفك أو عظم العضد، ويمثلونهم للعامة بسلوكيات مثيرة وكأنه حلقة في التطور الإنساني. وقد لعبت هذه الرسومات دورا كبيرا في خلق صورة "الإنسان البدائي" في عقول الناس.

يمكن لهذه الدراسات التي قامت على البقايا العظمية أن تكشف فقط عن خصائص عامة جدا للكائنات التي تعود لها. التفاصيل الموضحة موجودة في الأنسجة الرقيقة التي تتلاشى بسرعة مع الزمن. ومع التفسيرات التخمينية للأنسجة الطرية يصبح كل شيئ معقولا ضمن حدود خيال من يقوم بإنتاج البناء المعاد. ويشرح إرنست هوتون Earnest A. Hooten من جامعة هارفرد الوضع كالتالي:

"إن محاولة استعادة الأنسجة الطرية عمل ينطوي على أكثر من مخاطرة. إذ لا تترك الشفتان والعينان والبروز الأنفي أي دلائل على الأجزاء العظمية المدفونة. يمكنك أن تضع على جمجمة إنسان نياندرتال رأس شمبانزي أو قسمات فيلسوف بنفس السهولة. هذه الإحياءات المزعومة للنماذج القديمة للإنسان لا تنطوي على قيمة علمية وهي أقرب إلى تضليل العامة... فلا تضع ثقتك بالبنيات المعادة.6

دراسات أقيمت لتركيب مستحاثات مزيفة

قام بعض التطوريين بانتاج مستحاثات من صنعهم بعد ما عجزوا عن إيجاد دلائل من السجل الإحاثي يدعم نظريتهم. هذه المحاولات التي نزلت في الموسوعات تحت عنوان "تلفيقات التطور"، هي أكبر دلالة على أن نظرية التطور هي مذهب وفلسفة يصعب على التطوريين الدفاع عنها. نعرض تاليا مثالان مشهوران من أفظع وأردأ تدليسات التطور.

إنسان بيلتداون

خرج تشارلز داروين، الطبيب و الباحث الغض في علم الإنسان القديم، بادعاء يزعم فيه أنه وجد بقايا من عظام فك وجمجمة في حفرة في بيلتداون في انكلترا عام 1912. وبالرغم من ان الجمجمة كانت شبيهة بجمجمة إنسان، إلا أن الفك كان مميزا على أنه فكٌ قِردي. أطلق على هذه العينات اسم "إنسان بيلتداون"، وبقولهم أنه يعود إلى 500 ألف سنة يظن التطوريون أنهم قد أتوا على براهين ثابتة على تطور الإنسان. وبقي "إنسان بيلتداون" لمدة أربعين سنة مادة الكتابات العلمية وبنيت عليه العديد من التفسيرات والشروحات والرسومات، وقُدمت المستحاثة كدليل حاسم على تطور الإنسان.

وفي عام 1949 قام العلماء بدراسة المستحاثة مرة أخرى وقرروا على أن هذه المستحاثة هي تزييف مقصود تتكون من جمجمة إنسان وفك قرد أورانغتان.

واكتشف الباحثون باستخدامهم لطريقة التأريخ بالفلورين، أن عمر الجمجمة لا يزيد عن ألف سنة ، وأن الفك والأسنان اللذان يعودان إلى قرد الأورانغتان قد تم تركيبها بشكل اصطناعي، وأن الأدوات التي وجدت مع المستحاثة تزييف غير متقن تم شحذها بوسائل فولاذية. وبالتحليل التفصيلي الذي أتمه كل من أوكلي وفاينر وكلارك Oakley, Weiner, Clark تم كشف هذا الزيف للعامة عام 1953. تعود الجمجمة إلى 500 سنة فقط، وتبين أن العظام الفكية ليست إلا عظام قرد مات حديثا! أما الأسنان فقد تم ترتيبها بطريقة خاصة وأضيفت إلى الفك، وتم ملء نقاط الاتصال لتظهر شبيهة بأسنان الإنسان. ثم تم طلاء كل هذه القطع بثاني كرومات البوتاسيوم لتأخذ شكلا تاريخيا. (اختفى هذا الطلاء عند غمره بالكلور). ولم يتمكن كلارك LE Gros Clark ، أحد أعضاء الفريق الذي كشف الزيف، من إخفاء دهشته التي عبر عنها قائلا:

" ظهرت دلائل الكشط الاصطناعي في الحال إلى العين المجردة. والسؤال الملح: كيف لم يلاحظوا ذلك قبل الآن؟"

رجل نبراسكا

أعلن هنري فيرفيلد أوزبورن Henry Fairfield Osborn مدير متحف التاريخ الطبيعي الأمريكي أنه وجد مستحاثة لضرس في غرب نيبراسكا بالقرب من جدول الأفعى تعود إلى زمن البليوسين. زعم أن هذا الضرس يحمل صفات عامة لكل من القرد والإنسان. وبدأت مناقشات علمية معقدة تأخذ مجراها فسر بعضها هذا الضرس على أنه يعود إلى إنسان جاوة مع إدعاءات أخرى تقول بأنه أقرب إلى الإنسان الحديث. وأطلق على هذه المستحاثة التي أثارت جدلا واسعا اسم "إنسان نبراسكا"، كما اتخذت في الحال اسما علميا "هيسبيروبيتيكوس هارولد كوكي".

وقدمت العديد من الهيئات الدعم لأوزبورن، بناء على هذا الضرس الوحيد. وأعيد بناء إنسان نبراسكا، فرسم رأسه وجسمه، والأدهى من ذلك أنه رسم مع عائلة كاملة.

وفي عام 1927 وجدت أجزاء أخرى من الهيكل. وحسب هذه القطع المكتشفة حديثا، وجد أن هذا "الضرس" لا يخص لا إنساناً ولا قرداً. إنه يعود إلى أنواع منقرضة من الخنازير البرية الأمريكية تسمى "بروسثينوبس".

هل انحدر البشر والقرود من جد واحد؟

حسب ادعاءات نظرية التطور، فإن جد القرود والإنسان واحد. هذه المخلوقات تطورت عبر الزمن وبعضها أصبح القرود التي تعيش في يومنا هذا، بينما اتخذ البعض الآخر منحىً آخر في التطور ليصل إلى إنسان اليوم. يطلق التطوريون على الأجداد المشتركة لكل من الفرد والإنسان مصطلح "أوسترالوبيثيكوس" Australopithecus والتي تعني: "قرد إفريقيا الجنوبية". وليس "أوسترالوبيثيكوس" إلا نوعاً من القرود المنقرضة والتي تفرع عنها عدة نماذج. بعضها قوي والآخر هزيل وضعيف.

صنف التطوريون المرحلة التالية من التطور الإنساني بمرحلة "هومو" Homo وتعني الإنسان. وحسب ادعاءاتهم فإن الأحياء في سلسلة "هومو" أكثر تطورا من أوسترالوبيثيكوس ولا تختلف كثيرا عن الإنسان الحالي. يشكل الإنسان الحالي الإنسان الحديث، الإنسان العاقل، Homo Sapiens المرحلة الأخيرة في تطور هذا النوع.

حقيقة الأمر هو أن المخلوقات التي تدعى أوسترالوبيثيكوس في المخطط التطوري الخيالي هي قرود انقرضت، وأحياء سلسلة "هومو" هي أفراد من سلالات إنسانية مختلفة عاشت في الماضي ثم اختفت. قام التطوريون بترتيب العديد من مستحاثات القردة والإنسان في تنظيم يبدأ من الأصغر إلى الأكبر، في وسيلة لتشكيل خطة "التطور الإنساني". إلا أن الباحثين وجدوا أن هذه المستحاثات ليس لها أي مضمون من مضامين عملية التطور، وبعضها مما زعم أنه جد الإنسان هي قرود حقيقية بينما بعضها الآخر بشر حقيقيون.

لنلق نظرة الآن على أوسترالوبيثيكوس الذي يُمثل للتطوريين المرحلة الأولى من خطة التطور الإنساني.

أوسترالوبيثيكوس: قرود منقرضة

يدعي التطوريون أن أوسترالوبيثيكوس هو الشكل البدائي لأجداد الإنسان الحالي. وهذا النوع له جمجمة و بنية تشبه ماهو عليه القرد الحديث، ولكن مع سعة قحفية أقل. وبالنسبة إلى إدعاءاتهم فإن لهذه الأحياء خصائص هامة تؤهلهم لأن يكونوا أجداد الإنسان: الوقوف على القدمين.

إن حركة الإنسان تختلف عن حركة القرد تماما . البشر هم الأحياء الوحيدون الذين يمشون على ساقين بحرية. ومع أن هناك بعض الحيوانات التي لديها قدرة محدودة على المشي على ساقين، إلا أنها تكون ذات هياكل منحنية.

ويقول التطوريون إن هذه الأحياء المدعوة أوسترالوبيثيكوس لديها المقدرة على المشي بوضع منحن أكثر من الوضع المنتصب الذي يكون عليه الإنسان. ولكن حتى هذه الخطا المحدودة على ساقين شجعت التطوريين بالقول بأن هذه الكائنات هي أجداد الإنسان.

في جميع الحوال، فإن الدليل الذي يرفض إدعاءات التطوريين، هو أن القول بوقوف أوسترالوبيثيكوس على ساقين جاء من التطوريين أنفسهم. إلا أن الدراسات المفصلة أجبرت التطوريين أنفسهم على الاعتراف بأنها تشبه القرود إلى حد كبير. وبإجراء أبحاث تشريحية مفصلة على أوسترالوبيثيكوس في منتصف السبعينات من القرن العشرين، شبّه تشارلز أوكسنارد Charles E. Oxnard البنية الهيكلية لنوع أوسترالوبيثيكوس بالأورانغتان الحديث.

"يقوم جزء من الفكر التقليدي التطوري على دراسات مستحاثات الأسنان والفكوك وأجزاء من جمجمة أوسترالوبيثيكوس. وكلها تشير إلى أن العلاقة القريبة بين هذا النوع وبين السلالة البشرية غير صحيح. وكل هذه المستحثات تختلف عن الغوريلا والشمبانزي والإنسان. وبدراستها كمجموعة تبين أنها أشبه ما تكون بالأورانغتان."8

إلا أن الاكتشاف الذي أربك التطوريين فعلا هو أنه ليس بمقدور أوسترالوبيثيكوس أن يمشي على ساقين وبظهر منحن. فيزيائيا يعجز أوسترالوبيثيكوس ، الذي زعم أنه يقف على ساقين وبخطا منحنية، أن يتحرك بهذه الطريقة لما تحتاجه من طاقة عالية تؤهله لذلك. كما بين الباحث في علم الإنسان القديم الإنجليزي روبين كومبتون Robin Compton عن طريق المحاكاة الحاسوبية، أن هذه الخطوة "المركبة" مستحيلة. وخرج كومبتون بالنتيجة التالية: يمكن للكائن الحي أن يمشي إما منتصبا على قدمين أو على أربع ولا يمكنه أن يقوم بالحالة الوسط بين هاتين لوقت طويل لما تحتاجه هذه الحالة الوسط من استهلاك عال للطاقة. وهذا يعني أنه لا يمكن أن يمشي أوسترالوبيثيكوس على ساقين وبخطا منحنية.

قد تكون أهم الأبحاث التي أثبتت أن أوسترالوبيثيكوس لا يمشي على ساقين هي التي قام بها عالم التشريح فرد سبوور عام 1994 مع فريقه في قسم التشريح الإنساني وعلم الأحياء الخليوي في جامعة ليفربول انكلترا. أجرت هذه المجموعة دراسات حول مستحاثات الأحياء التي تقف على ساقين. دار بحثهم حول التوازن اللا إرادي لقوقعة الأذن، وقد أظهرت نتائج البحث في النهاية أنه من غير الممكن أن يكون أوسترالوبيثيكوس واقفا على ساقين. وهذا يدحض أي ادعاء بأن أوسترالوبيثيكوس كان يشبه الإنسان.

السلالات الإنسانية: البشر الحقيقيون

الخطوة الثانية من التخيل التطوري للإنسان هي "الهومو Homo " وتعني الإنسان. هذه المخلوقات هي بشر لا يختلف عن بشر اليوم، ومع ذلك تحمل بعض الاختلافات العرقية. وبمحاولات لتضخيم هذه الاختلافات قام التطوريون بإظهار البشر على أنهم ليسوا سلالة الإنسان الحديث وأنها أنواع مختلفة. إلا أن هذه السلالة البشرية "الهومو"، كما سنرى، ليست إلا أنواعاً من أعراق بشرية.

وحسب خطة التطوريين المدهشة ، فإن التطور التخيلي الداخلي لأنواع "الهومو" هي كالتالي: أولا هومو إريكتس Homo erectus، ثم هومو العاقل القديم Homo Sapiens، إنسان نياندرتال Neanderthal man، إنسان كرو ماغنون اللاحق Cro- Magnon man، وفي الختام الإنسان الحالي.

وبالرغم من الإدعاء المعاكس للتطوريين، فإن كل "الأنواع" السابقة التي ذكرناها الآن ما هي إلا بشر عاقلون. ولنتناول أولا إنسان إركتوس أو "هومو إركتوس" الذي يشيرون إليه على أنه أكثر الأنواع البشرية بدائية.

إن أكثر الدلائل قوة على أن "هومو إركتوس" ليس نوعا بدائيا هو مستحاثة "صبي توركانا" أحد أقدم بقايا إنسان إريكتوس. تحمل هذه المستحاثة صبيا يبلغ من العمر 12 سنة تقديرا وطوله 183 سم وهو في سن المراهقة. ولا تختلف بنية الهيكل المنتصب للمستحاثة عن الإنسان الحالي . ويتوافق طولها وبنيتها النحيلة تماما مع سكان المناطق المدارية الحاليين.

هذه المستحاثة هي أحد أهم الدلائل على أن إنسان إركتوس ما هو إلا نموذج آخر من السلالة الإنسانية الحديثة. يقارن التطوري الباحث في علم الإنسان القديم ريتشارد ليكي Richard Leakey إنسان إريكتوس والإنسان الحديث كما يلي:

"يمكن لأحدنا أن يرى أيضا اختلافا في شكل الجمجمة، ودرجة البروز الوجهي وخشونة الحاجبين وما إلى ذلك. هذه الاختلافات لا تحمل معنى أكثر من الاختلاف الذي نراه اليوم بين السلالات الجغرافية المختلفة.هذه الاختلافات الحيوية تظهر عندما يتباعد السكان جغرافيا عن بعضهم لمدة طويلة."9

يقصد ليكلي أن يقول بأن الفرق بيننا وبين إنسان إركتوس ليس أكثر من الفرق بين الزنوج والأسكيمو . إن شكل جمجمة إنسان إركتوس ناتج عن طريقته في تناول الطعام والهجرات الوراثية وانعزالهم عن غيرهم من البشر لمدة طويلة.

دليل آخر تحمله مستحاثة عمرها سبع وعشرون ألف سنة، أو حتى ثلاثون ألف سنة. جاء في مقالة من مجلة "التايم" وهي ليست دورية علمية ولكن لها أثرا جارفا على عالم العلوم، أنه تم العثور على مستحاثة عمرها سبع وعشرون ألف سنة تعود إلى إنسان إركتوس وجدت في جزيرة جاوة. وفي مستنقع كو في أستراليا وجدت مستحاثات عمرها ثلاثون ألف سنة تحمل خصائص كل من إنسان إركتوس وإنسان هومو العاقل. تظهر كل هذه المستحاثات أن إنسان إركتوس استمر في العيش إلى وقت قريب جدا من وقتنا الحالي، وهو ليس إلا سلالة بشرية طواها التاريخ.

الإنسان العاقل القديم وإنسان نيندرتال

من المفترض، حسب الخطة التطورية الخيالية، أن الإنسان العاقل Homo sapien هو الجد المباشر للإنسان الحالي. وفي الحقيقة ليس لدى التطوريين الكثير ليقولوه عن هذا الإنسان لبساطة الفروق بينه وبين الإنسان الحالي. حتى أن بعض الباحثين يقولون إن ممثلين عن هذه السلالة لا يزالون يعيشون في العالم، ويشيرون كمثال على ذلك إلى سكان استراليا الأصليين. وكما هو الحال لدى "الإنسان العاقل" يمتلك السكان الأصليون حواجب كثيفة وبنية فكية ملتفة إلى الداخل وحجم دماغ أصغر قليلا . علاوة على ذلك أشارت بعض الدلائل الهامة إلى أن سكاناً كهؤلاء كانوا يعيشون في هنغاريا وبعض القرى الإيطالية حتى فترة قصيرة من الآن.

يشير التطوريون إلى مستحاثات إنسان عثر عليها في وادي نيندر في هولندا والتي أصبح اسمها إنسان نياندرتال Neanderthal man. جرى تعريف هذا الإنسان من خلال أبحاث مقارنة عديدة على أنه النوع الثانوي للإنسان الحالي وأسموه "إنسان نياندرتال العاقل". وتقول هذه الأبحاث بأن هذه السلالة تعيش مع الإنسان الحالي في نفس الزمن وتشغل نفس الأماكن، كما تشير إلى أن النياندرتاليون كانوا يدفنون موتاهم ويطورون آلات موسيقية، ولهم مصاهرة حضارية مع الإنسان العاقل الذي عاش في نفس الفترة. لم يتم إظهار أي مستحاثات حديثة لأي جماجم أو هياكل نياندرتالية أمام أي تحليل أو بحث .ويكتب إيريك ترينكاوس Erik Trhnkaus من جامعة نيو ميكسيكو وثيقة شهيرة حول هذا الموضوع:

"لقد أفادت المقارنات الدقيقة لبقايا نياندرتالية عظمية مع أمثالها حديثة أنه لا يوجد أي دليل من التشريح النياندرتالي يفيد بأن مقدرته الحركية أو اليدوية أو العقلية أو الكلامية أدنى من تلك التي يملكها الإنسان الحديث."10

في الحقيقة يمتلك إنسان نياندرتال بعض المزايا التطورية يتفوق بها على الإنسان الحديث. فالسعة الدماغية لديهم أكبر منها عندنا، كما أنهم أكثر صلابة وقوة منا. ويضيف ترينكاوس: " من أبرز خصائص النياندرتاليين هي ضخامة عظام الساعد والساق المبالغ بها. وتشير معظم العظام المحفوظة إلى قوة نادرا ما نجدها لدى الإنسان الحالي.

والطريف في الأمر أن هذه القوة ليست مقتصرة على الشبان فقط كما قد نظن، بل تبدو واضحة عند الشابات والمراهقين وحتى الأطفال. ولنكون أكثر دقة نقول أن النياندرتاليين هم سلالة بشرية خاصة تشابهت مع سلالات أخرى مع مرور الزمن .

تبين كل الحقائق التي ذكرناها أن مخططات "التطور الإنساني" التي زيفها التطوريون هي تلفيق من خيالاتهم ، وأن الإنسان كان دائما إنسانا والقرد دائما قردا.

هل يمكن للحياة أن تنشأ مصادفة كما تدعي نظرية التطور؟

تقول نظرية التطور أن الحياة قد نشأت من خلية تشكلت في ظل ظروف بدائية على وجه البسيطة. لنتفحص مكونات هذه الخلية مع مقارنات بسيطة لنعرف كم هو خيالي أن ينسب وجود هذه الخلية الموجودة - والتي لا زالت تحتفظ بخفاياها من جهات عدة، حتى في الوقت الذي أصبحنا فيه على أعتاب القرن الحادي والعشرين - إلى مصادفات أو ظواهر طبيعية.

لا تقل الخلية في تعقيدها بما تحمله من أنظمة، أنظمة الاتصال، النقل والإدارة عن أي مدينة. فهي تحتوي على محطات طاقة لتوليد الطاقة التي تستهلكها الخلية، مصانع تصنع الأنزيمات والهرمونات الأساسية للحياة ، بنك للمعلومات تُسجل فيه المعلومات اللازمة حول كافة المنتجات التي يتوجب إنتاجها، أنظمة نقل معقدة وأنابيب لحمل المواد الخام والمنتجات من مكان إلى آخر. مخابر متطورة ومصافٍ لتفتيت المواد الخام إلى أجزائها المفيدة، وغشاء بروتيني خاص بالخلية للتحكم بالمواد الداخلة والخارجة عنها. وهذا كله يشكل جزءًا صغير فقط من نظامها المعقد الذي لايُصدق.

بعيدا عن كون هذه الخلية قد تشكلت عن طريق الصدفة، فإنه لا يمكن تركيب هذه الخلية ببنيتها المعقدة في أكثر المخابر تعقيدا ، حتى مع استخدام الحموض الأمينية، أحجار الأساس للخلية، من المستحيل انتاج ولا حتى عضية واحدة من هذه الخلية مثل المتقدرات أو الريباسة، ما هو أقل بكثير من الخلية. إن ادعاء نشوء الخلية الأولى في الحياة عن طريق الصدفة أمر مغرق في الخيالية تماما كوجود حيوان أحادي القرن الأسطوري.

البروتين يتحدى المصادفة

ليست الخلية فقط هي التي لا يمكن انتاجها، بل إن إنشاء جزيء بروتين واحد من بين آلاف البروتينات التي تشكل الخلية تحت ظروف طبيعية أمر متعذر.

البروتينات جزيئات ضخمة تتكون من حموض أمينية مرتبة في سلسلة معينة وبأعداد وبنيات محددة. هذه الجزيئات هي اللبنات الأساسية للخلية، وأبسط واحدة منها تتكون من 50 حمضاً أمينياً ومنها ما يحتوي على آلاف الحموض الأمينية. إن أي نقص أو زيادة أو تغيير في أماكن هذه الحموض التي يختص كل منها بوظيفة معينة داخل الخلية الحية، يجعل جزيء البروتين كومة لا نفع منها. لقد أخفقت نظرية التطور عند نقطة تشكل البروتين لكونها عاجزة عن عرض "التشكيل التصادفي".

يمكننا بكل سهولة أن نعرض بطريقة يفهمها الجميع بعض الحسابات الاحتمالية البسيطة، تبين أن البنية الوظيفية للبروتين لا يمكن أن تنشأ مصادفة.

هناك عشرون حمضا أمينيا مختلفا. وإذا اعتبرنا أن معدل احتواء جزيء بروتين من الحموض الأمينية 288 حمضا، يكون هناك 10300 من التراكيب الحمضية المختلفة. واحد فقط من كل هذه السلاسل المحتملة تشكل جزيء البروتين المطلوب.أما باقي سلاسل الحموض الأمينية الأخرى، فهي إما عديمة الفائدة، أو محتمل أن تصبح ضارة للكائن الحي. بعبارة أخرى، نسبة احتمال التشكل التصادفي لجزيء بروتين واحد فقط كالذي تحدثنا عنه سالفا هي 1 في ( 10300). وإمكانية حدوث "1" من رقم "فلكي":1 وأمامه 300 صفر هي بكل الأحوال الفعلية صفر: أي مستحيلة. على أن هذا الجزيء الذي يتألف من 288 حمضاً أمينياً يعتبر متواضعا بالمقارنة مع الجزيئات العملاقة التي تحتوي على آلاف الحموض الأمينية. وإذا طبقنا حسابات الاحتمال على هذه الجزيئات العملاقة، نجد أن كلمة"مستحيل" غير كافية.

وإذا كان احتمال التشكل التصادفي لواحد من هذه الجزيئات البروتينية مستحيلا، فإن إمكانية تجمع مليون من هذه الجزيئات عن طريق الصدفة بطريقة منظمة لتشكيل خلية بشرية متكاملة أمر أكثر استحالة بملايين المرات. علاوة على ذلك، ليست الخلية مجموعة من البروتينات، بل تحتوي بالإضافة لها على حموض نووية ودهون وفيتامينات ومواد كيميائية أخرى مثل الالكتروليت وجميعها منظمة بانسجام وانتظام وبنسب محددة، من الناحية البنيوية والوظيفية، وكل منها يعمل كلبنة أساس أو أحد مكونات العضيات المتنوعة.

وكما رأينا عجزت نظرية التطور عن تفسير تشكل بروتين واحد من الملايين التي تدخل في تركيب الخلية، ولنتناول الآن الخلية.

ناقش الأستاذ الدكتور علي دميروزي Pro. Dr. Ali Demirosy أحد أشهر المناصرين لفكرة التطور في كتابه (الوراثة والتطور) إمكانية حدوث انزيم سيتوكروم- س " ytochrome - C" أحد الأنزيمات الأساسية للحياة عن طريق الصدفة:

"إن إمكانية تشكل سلسلة "ochrome - C" هي صفر. بمعنى أنه إذا احتاجت الحياة إلى سلسلة معينة فإن إمكانية تحققها مرة واحدة في كل الكون. وإلا فإن قوى ميتافيزيقية لا يمكن أن يصل إليها إدراكنا يمكن أن تقوم بهذا التشكيل. وقبول هذه الحقيقة الأخيرة لا يناسب العلم. لذلك علينا أن نبقى على الفرضية الأولى."11

وبعد هذه الأسطر يعترف ديمروزي بأن الإمكانية التي قبلها لأنها "أكثر ملائمة للأهداف العلمية" بأنها غير حقيقية:

"إن احتمال توفير سلسلة الحمض الأميني الخاص بالأنزيم " ytochrome- C" غير ممكن تماما كاستحالة قيام قرد بكتابة التاريخ الإنساني على الآلة الطابعة، مع اعتبار امتياز ا ستخدام القرد للوحة المفاتيح بشكل عشوائي."12

إلا أن وجود سلسلة من الحموض الأمينية بشكل منظم ليس كافيا بالنسبة لجزيئات البروتين الموجودة في الكائنات الحية. أضف إلى ذلك أن كل حمض من الحموض العشرين المختلفة الموجودة في تركيب البروتينات، يجب أن تكون يسارية. كيميائيا هناك نوعان مختلفان من الحموض الأمينية "يسارية" و "يمينية". الفرق بينهما هو التماثل العكوس بين بنيتيهما الثلاثية الأبعاد، التي تشبه يدي الإنسان اليمنى واليسرى. أعداد الحموض الأمينية المتواجدة في الطبيعة من كلا النوعين متساوية ويمكنها أن ترتبط ببعضها بشكل محكم. ومع ذلك فقد كشفت الأبحاث حقيقة مذهلة: وهي أن جميع البروتينات التي تظهر في بنية الكائنات الحية مصنوعة من الحموض الأمينية اليسارية. لا يوجد أي بنية تحمل ولا حتى حمضا يمينيا واحدا، وإلا كانت عديمة الفائدة.

لنسلم جدلا أن الحياة جاءت إلى الوجود عن طريق الصدفة كما يدعي التطور. في هذه الحالة تحدث الحموض الأمينية اليمينية واليسارية بأعداد متساوية. السؤال الآن كيف يمكن للبروتين أن يلتقط الحموض اليسارية، وكيف لا يدخل أي حمض أميني يميني في عملية الحياة، أسئلة بقيت مربكة للتطور ومناصريه. ورد في الموسوعة البريطانية، المتحمس الشديد للتطور، أن الحموض الأمينية الموجودة في كل الأحياء الأرضية وفي لبنات الأساس في البوليمر المعقد مثل البروتين جميعها بتناظر يساري. ويضيف إلى أنَّ هذا يشبه رمي قطعة النقود في الهواء مليون مرة وفي كل مرة تأتي على وجهها (طرّة). وفي نفس الموسوعة يقولون إنه حتى الآن لم يتمكنوا من فهم السبب وراء كون الجزيء يمينيا أو يساريا وأن هذا الخيار يعود إلى أصل الحياة على الأرض.13

لا يكفي أن تكون سلاسل الحمض الأميني بأعداد صحيحة، وبالبنية الثلاثية المطلوبة. بل يتطلب تشكيل البروتين أن ترتبط الحموض الأمينية التي تملك أكثر من ذراع مع بعضها من خلال أذرع معينة. مثل "الرابطة الببتيدية". يمكن للحموض الأمينية أن تتصل مع بعضها بأنواع أخرى من الروابط، إلا أن البروتين يتطلب فقط الحموض الأمينية التي تحمل الروابط الببتيدية.

أظهر البحث أن 50% فقط من الحموض الأمينية، المتصلة بروابط عشوائية، ترتبط بروابط ببتيدية، وأن الحموض الأخرى تتصل مع بعضها بروابط مختلفة غير موجودة في البروتين. ومن أجل عمل متقن يجب أن تكون كل الحموض الأمينية التي تدخل في تركيب البروتين متصلة بروابط ببتيدية، وأن تكون من النوع اليساري فقط. بالطبع ليس هناك آلية تتحكم باختيار الحموض اليسارية وترك اليمينية ولا تحقق شخصي من أن كل حمض أميني يحقق رابطة ببتيدية.

وفي ظل هذه الظروف تكون نسبة احتمالات قيام جزيئة بروتين تحمل 500 حمض أميني بترتيب نفسها بالكميات والسلاسل المضبوطة ، بالإضافة إلى احتمالات كون كل الحموض الأمينية التي تحتويها يسارية وترتبط فقط بروابط ببتيدية كالتالي:

- احتمال كونها بسلسلة صحيحة = 1/20500 = 1/10650

- احتمال كونها يسارية = 1/2500 = 1/10150

- احتمال ارتباطها برابطة ببتيدية = 1/2499 = 1/10150

مجموع الاحتمالات 1/10950 أي احتمال "1" في 10950 .

إن احتمال تشكل جزيء بروتين، كما هو موضح، يحتوي على خمسمائة حمض أميني هي"1" مقسوم على 950 صفر أمامها 1، رقم يستعصي إدراكه على العقل البشري. هذه الإمكانية موجودة على الورق فقط. أما عمليا فهذا الاحتمال يأخذ درجة الصفر على أرض الواقع. إن احتمال 1 على 10 50 في الرياضيات يعتبر برتبة احتمال صفر على أرض الواقع.

وإذا كان احتمال تشكل بروتين يحتوي على 500 حمض أميني يصل إلى هذه النسبة، فيمكننا أن ندفع بحدود العقل إلى مستويات أعلى. يوجد داخل جزيئات "الهيموغلوبين"،خضاب الدم، البروتين الحيوي، خمسمائة واربع وسبعون حمضا أمينيا أي أكبر من المثال السابق. والآن لنتأمل هذا: تتضمن واحدة من بلايين الخلايا الدموية الحمراء في جسمك 280 مليون جزيء من الهيموغلوبين. إن العمر الافتراضي للأرض لن يكون كافيا لتشكيل بروتينٍ واحدٍ، إذا وضعنا جانبا خلية دم حمراء، عن طريق "التجربة والخطأ". النتيجة هي وقوع التطور بفشل ذريع عند وقوفه أمام استحالة نشوء بروتين واحد.

البحث عن إجابات على نشوء الحياة

لم يكن باستطاعة التطوريين، بعد معرفتهم بالخلاف الكبير مع مبدأ نشوء الحياة عن طريق الصدفة، أن يقدموا تفسيرا عقلانيا عن معتقداتهم، لذلك أخذوا يبحثون عن طرق يبرهنون فيها أن الخلافات ليست كبيرة.

قاموا بتصميم مخابر للتجارب لطرح سؤال كيف يمكن أن تنشأ الحياة من مادة غير حية. عرفت أشهر هذه التجارب "بتجربة ميللر" أو " Miller Experiment"، التي قام بها الباحث الأمريكي ستانلي ميللر عام 1953.

قام ميللر ، في سبيل إثبات إمكانية نشوء الحمض الأميني عن طريق الصدفة،بصنع جو في مخبره زعم أنه كان موجودا على الأرض البدائية (والذي ظهر في ما بعد أنه غير حقيقي)، وبدأ يعمل. المزيج الذي استخدمه في جوه البدائي مكون من الأمونيا والميتان والهيدروجين وبخار الماء.

عرف ميللر أنه لا يمكن أن يتفاعل الأمونيا والميتان وبخار الماء تحت ظروف طبيعية. وكان يعلم أن عليه أن يحقن المزيج بالطاقة ليبدأ التفاعل. افترض أن هذه الطاقة كانت تأتي من الومضات الضوئية في جو الأرض البدائية، وبناء على هذا الاعتقاد استخدم تيارا كهربائيا مصطنعا في تجربته.

قام ميللر بغلي مزيجه حتى درجة 100 درجة مئوية وادخل في الغرفة تيارا كهربائيا. وبعد نهاية الأسبوع حلل ميللر الكيميائيات التي تشكلت في الغرفة ولا حظ أنه قد تم تركيب ثلاثة من الحموض الأمينية العشرين، التي تشكل أساس البروتين. أثارت هذه التجربة مشاعر التطوريين وبدؤوا يروجون لها على أنها نجاح بارز. وبما أنها أثبتت نظريتهم فقد وجدوا فيها ما يشجعهم على المضي بوضع مخططات جديدة... لقد أثبت ميللر أنه من الممكن أن تنشأ الحموض الأمينية بنفسها. وبناء على ذلك أسرعوا في افتراض الخطوات التالية، حسب مخططاتهم، اتحدت الحموض العضوية فيما بعد في سلاسلها المنظمة عن طريق الصدفة لتشكل البروتينات التي وضعت نفسها داخل غشاء الخلية مثل البنية التي جاءت "بطريقة ما" إلى الحياة وشكلت الخلية البدائية. ومع مرور الزمن تجمعت الخلايا وشكلت العضويات الحية. العماد الأساسي لكل هذا كان تجربة ميللر.

بطلان تجربة ميللر

مضى على تجربة ميللر قرابة نصف قرن تقريبا . وبالرغم من أنها تبدو باطلة من عدة وجوه، إلا أن التطوريين ظلوا يقدمون ميللر ونتائجه عل أنها برهان على إمكانية تشكل الحياة من مادة غير حية. وعندما نقوم بتقييم تجربة ميللر من وجهة نظر نقدية، بعيدا عن النزعة الشخصية للتفكير التطوري، يتضح أمامنا أن الوضع ليس ورديا كما يراه أنصار التطور. وضع ميللر لنفسه هدفا بأن يبرهن أن الحموض الأمينية يمكن أن تكون نفسها في ظل ظروف الحياة البدائية. وتم تشكل بعض الحموض الأمينية. إلا أن الطريقة التي أديرت بها التجربة، تتناقض مع الهدف كما سنرى.

عزل ميللر الحموض الأمينية من البيئة حال تشكلها باستخدامه طريقة تسمى "الفخ البارد".

وفي حال انه لم يقم بذلك فستدمر البيئة التي تشكلت فيها الحموض الأمينية الجزيئات المتشكلة فورا. إن الاعتقاد بأن بعض الآليات المقصودة، التي تتضمن الأشعة فوق البنفسجية ، العواصف الرعدية، والعديد من الكيميائيات، ونسب عالية من الأكسجين الحر، كانت متكاملة في الظروف البدائية الأرضية اعتقاد فارغ . ودون هذه الظروف المتكاملة،سيكون مصير أي حمض أميني تم تشكيله الدمار.

لم تكن الظروف البدائية الأرضية التي افترضها ميللر في تجربته حقيقية. فقد كان النتروجين وثاني أكسيد الكربون من مكونات الجو البدائي، إلا أن ميللر أهمل هذا واستخدم الميتان والأمونيا كبديل.

ولكن لماذا؟ لماذا يصر التطوريون على القول بأن الجو البدائي كان يحتوي على كميات كبيرة من الميتان CH4 والأمونيا NH3 وبخار الماء H2O؟ الجواب بسيط، وهو أنه لا يمكن بدون أمونيا تركيب الحمض الأميني. تكلم كيفين مكين Kevin McKean عن هذا في مقالة كتبها في مجلة "اكتشف":

"قلد ميللر وأوري البيئة البدائية باستخدامهما خليطا من الميتان والأمونيا. حسب اعتقادهم أن الأرض كانت مخزنا حقيقيا لمزيج حقيقي متجانس من المعدن، والصخور والجليد. إلا أنه، ومن خلال الدراسات الأخيرة، ثبت أن الأرض كانت في تلك الأزمان حارة جدا وأنها كانت تتكون من النيكل والحديد المصهورين. لذلك فإن البيئة الكيميائية لذلك الزمن كانت تحتوي بالدرجة الأولى على النتروجين N2 وثاني أكسيد الكربون Co2 وبخار الماء H2O. ومع ذلك لم تكن ملائمة، كما هما الأمونيا والميتان، لإنتاج جزيئات عضوية."14

بعد فترة طويلة من الصمت، اعترف ميللر بأن البيئة الجوية التي استخدمها في بيئته كانت غير حقيقية.

· هناك نقطة اخرى هامة جدا تبطل تجربة ميللر وهي أنه كان هناك كمية من الاكسجين في جو الزمن الذي افترض فيه التطوريون نشوء الحموض الأمينية تكفي لتحطيمها كلها لا بد وأن تركيزات الأكسجين هذه أعاقت تشكل الحموض الأمينية. يتعارض الوضع تماما مع تجربة ميللر التي أهمل فيها الأكسجين نهائيا. ولو أنه استخدم الأكسجين لتفكك الميتان إلى ثاني أكسيد الكربون وماء، وتحللت الأمونيا إلى نيتروجين وماء. بتعبير آخر، بما أن طبقة الأوزون لم تكن قد تشكلت بعد، فإنه من غير الممكن لأي جزيء عضوي أن يعيش على وجه الأرض لأنها كانت غير محمية من كميات أشعة فوق البنفسجية الكثيفة.

· بالإضافة إلى الحموض الأمينية، أنتجت تجربة ميللر العديد من الحموض العضوية التي تحمل خصائص مؤذية لبنيات ووظائف الكائنات الحية.. ولو أنه لم يعزل الحموض الأمينية وتركها في البيئة نفسها مع هذه الكيميائيات فإن تحللها أو تحولها إلى مركبات أخرى من خلال التفاعلات الكيميائية أمر محتوم. علاوة على ذلك تم إنتاج كمية كبيرة من الحموض الأمينية اليمينية. وجود هذا النوع وحده يدحض التجربة، لأن الحموض الأمينية اليمينية وحدها لا يمكنها أن تعمل في تركيب الكائنات الحية، بل إنها تعطل البروتين وتجعله دون فائدة إذا ما تواجدت ضمن تركيبه.

النتيجة، هي أن الظروف التي تشكلت فيها الحموض الأمينية في تجربة ميللر لم تكن مناسبة لتواجد أشكال الحياة في الوجود. الوسط الذي تشكلت فيه هذه الحموض كان مزيجا حمضيا يمكن أن يحطم ويؤكسد أي جزيء مفيد يمكن الحصول عليه.

لقد قام التطوريون أنفسهم بدحض نظريتهم، كما لم يرغبوا، بتقديمهم هذه التجربة على أنها "برهان". وإذا كانت قد أثبتت شيئاً، فقد أثبتت أنه بالإمكان انتاج حموض أمينية فقط تحت بيئة مخبرية مضبوطة حيث تم تنظيم كافة الشروط الضرورية بشكل خاص ومتعمد. أظهرت هذه التجربة أن سبب الحياة (أو حتى "الحياة القريبة" من الحمض الأميني) لا يمكن أن يكون فرصة غير مقصودة، ولكن إرادة واعية -بكلمة واحدة، أن تكون "خلقا".

لهذا السبب نرى أن كل مرحلة من مراحل الخلق تثبت لنا وجود الخالق وعظمته.

الجزيء المعجز: DNA

لم يتمكن التطوريون من تقديم تفسير مترابط لوجود الجزيئات الأساسية في الخلية. علاوة على ذلك، فقد قدم وضع علم المورثات واكتشاف الحموض النووية (DNA و RNA) المزيد من العقبات في طريق التطوريين. في عام 1955 طرح العالمان المختصان في DNA جيمس واطسون و فرنسيس كرايك James Watson, Francis Crick، مذهبا جديدا في علم الأحياء. وجه العديد من العلماء انتباههم إلى علم المورثات. واليوم وبعد سنوات من البحث رسم العلماء الخريطة البنيوية لجزيء DNA.

علينا هنا أن نعطي بعض المعلومات الأساسية عن بنية ووظيفة DNA:

يحتوي جزيء يطلق عليه اسم DNA والذي يتواجد في نواة كل خلايا الجسم والتي تبلغ 100 تريليون خلية، المخطط البنيوي الكامل للجسم الإنساني. المعلومات التي تتعلق بخصائص الإنسان من المظهر الخارجي وحتى الأعضاء الداخلية، مسجلة في DNA عن طريق نظام تشفير خاص. المعلومات في DNA مشفرة ضمن سلسلة مكونة من أربع عناصر أساسية خاصة هي التي يتألف منها الجزيء. هذه الأسس هي A,T,G,C وهي الأحرف الأولية لأسمائها. تعتمد كل الاختلافات البنيوية بين الناس على التغيرات في سلسلة هذه الأسس الأربعة. يحتوي كل جزيء DNA على 3,5 بليون حمض نووي، أي على 3,5 بليون حرف.

تتواجد معلومات DNA التي تخص عضواً أو بروتيناً معيناً ضمن مركبات خاصة تدعى "المورثات". على سبيل المثال، تتواجد المعلومات الخاصة بالعين في سلاسل خاصة من المورثات، بينما تتواجد المعلومات الخاصة بالقلب في سلاسل أخرى مختلفة من المورثات. تنتج الخلية البروتينات باستخدامها المعلومات الموجودة في كل هذه المورثات. وتتحدد الحموض الأمينية التي تدخل في تركيب البروتين عن طريق ترتيب تسلسلي لثلاث حموض نووية داخل DNA.

هنا وفي هذه النقطة، يجب الانتباه إلى تفصيلة تستحق الاهتمام. إن أي خطأ يمكن أن يحدث في سلسلة الحموض النووية التي تدخل في بناء الخلية يجعل الخلية عديمة الفائدة، أو معطلة تماما. وإذا علمنا أن هناك 200 ألف من المورثات في الجسم الإنساني، ظهر لنا تماما استحالة نشوء ملايين من الحموض النووية التي تدخل في تركيب هذه المورثات عن طريق الصدفة بالتسلسل الصحيح. يعلق التطوري العالم فرانك سالزبوريFrank Salisbury على هذه الاستحالة قائلا:

يحتوي جزيء البروتين المتوسط على حوالي 300 حمض أميني. ويحتوي مورث DNA الذي يحكم هذا الجزيئ على 1000 حمض نووي في سلسلته. وبما أنه هناك أربعة أنواع من الحموض النووية في DNA فإن واحدا مؤلفا من 1000 رابطة يمكن أن يتواجد بعدد من الأشكال يبلغ 41000 شكلا.وباستخدام اللوغاريتم يمكننا أن نجد أن 41000 =10600. عشرة مضروبة بنفسها 600 مرة، أي 1 وأمامه 600 صفر! هذا الرقم فوق تصورنا تماما.15

الرقم 41000 يعادل 10600، نحصل على هذا الرقم بإضافة 600 صفر إلى "1". وإذا كان الرقم 10 وإلى جانبه 11 صفرا يساوي ترليون، فإن رقما يحمل إلى يمينه 600 صفر لا يمكن إدراكه.

وجد التطوري التركي الدكتور علي ديميروزي نفسه مجبرا على الإدلاء بهذا الاعتراف:

"في الحقيقة، احتمال وجود معلومات عشوائية لبروتين وحمض نووي (DNA- RNA) احتمال غاية في الضآلة. أما احتمالات نشوء سلسلة لبروتين معين فقط احتمال فلكي."16

بالإضافة إلى كل هذه الاستحالات، فإنه من الصعب أن يدخل DNAفي أي تفاعل بسبب سلسلته الحلزونية المزدوجة. وهذا أيضا يجعل التفكير بأنه أساس الحياة مستحيلا. علاوة على ذلك، فإن DNA لا يمكن أن يتكرر إلا بمساعدة بعض الأنزيمات والتي هي في واقع الأمر بروتينات. تركيب هذه الأنزيمات يتم عن طريق المعلومات المشفرة في DNA. وحيث أنهما يعتمدان كل على الآخر، فإما أنهما يجب أن يتواجدا بوقت متزامن ليحصل التكرار، أو أن أحدهما "خلق" قبل الآخر. يعلق عالم الأحياء المجهري الأمريكي جاكوبسون Jacobson على الموضوع بقوله:

"يجب أن تكون الاتجاهات الكاملة لإنتاج خطط الطاقة واستخراج الأجزاء من البيئة المتواجدة، وخطط سلسلة النمو، وخطط الآليات المستجيبة التي تترجم التعليمات إلى نمو - كلها يجب أن تتواجد بشكل متزامن في تلك اللحظة (عند بدء الحياة). هذه المجموعة المركبة من الأحداث لا يمكن أن تتواجد مصادفة، وهي دائما تعزى إلى تدخل إلهي".17

كتب هذا المقطع بعد سنتين من الكشف الذي قام به كل من واتسون وكرايك فيما يخص بنيةDNA. بالرغم من كل التقدم العلمي بقيت هذه المشكلة قائمة أمام التطوريين .بإيجاز، إن الحاجة إلى DNA في التكاثر، وضرورة وجود بعض البروتينات للتكاثر، والحاجة إلى انتاج هذه البروتينات عن حسب المعلومات الموجودة في DNA مسألة دحضت فكرة التطور من أساسها.

وقد شرح العالمان الألمانيان Junker و Scherer جونكر وشيرر أن تركيب كل جزيء من الجزيئات المطلوبة للتطور الكيميائي، تحتاج إلى ظروف واضحة، وأن إمكانية تركيب هذه المواد التي لها، نظريا، طرائق اكتساب مختلفة تماما هو صفر:

"حتى الآن لم تُعرف أي تجربة يمكن أن نحصل من خلالها على كل الجزيئات الضرورية للتطور الكيميائي. لذلك من الأساسي إنتاج جزيئات مختلفة في أماكن مختلفة تحت ظروف ثابتة تماما، ثم نقلها إلى مكان آخر لخلقها عن طريق حمايتها من عناصر مؤذية مثل التحلل المائي أو التحلل الضوئي"18.

باختصار، فإن نظرية التطور غير قادرة على برهنة أي مراحل تطورية حدثت تدريجيا على المستوى الجزيئي.

ولتلخيص ما أتينا على عرضه حتى الآن، نقول انه لا يمكن إنتاج أي حمض أميني أو أي منتج من منتجاته، البروتينات التي تبني الخلية، في مايدعى "البيئة البدائية". ولا تزال عوامل أخرى مثل البنية المعقدة للبروتين وخصائص اليسارية واليمينية والصعوبات التي تواجه حدوث الروابط الببتيدية هي من الأسباب التي لا تسمح بانتاجها في أي زمن مستقبل عن طريق أي تجربة.

وحتى لو سلمنا جدلا أن البروتين قد تشكل عن طريق المصادفة، يبقى هذا الكلام دون معنى لأن البروتين وحده ليست لديه القدرة على التكاثر. يتوقف تصنيع البروتين عل المعلومات الموجودة في كل من DNA و RNA وبدونها لا يمكن أن يتكاثر. تحدد السلسلة الخاصة المتشكلة من العشرين حمضاً أمينياً المشفرة داخل DNA بنية كل بروتين موجود داخل الجسم. إلا أنه، وكما أوضح كل من درس هذه الجزيئات، من المستحيل لأن يتشكل DNA و RNA عن طريق الصدفة.

حقيقة الخلق

مع انهيار نظرية التطور في كل المجالات بدأت تظهر أسماء اليوم في علم الأحياء المجهرية تعترف بحقيقة الخلق، وبدأت تدافع عن فكرة أن كل شيء مخلوق من قبل خالق عليم كجزء من هذا الخلق المجيد. هذه حقيقة لا يمكن للناس أن يتغافلوا عنها.طور العلماء الذين يقوموا بأبحاثهم بأعين مفتوحة نظرية أسموها "النظام الذكي". العالم ميكائيل بيهي Michael Behe، أحد هؤلاء العلماء، أقر بوجود خالق مطلق ووصف المأزق الذي وقع فيه الذين ينكرون وجوده:

"إن نتيجة هذه المحاولات المتراكبة للبحث في الخلية- للبحث في الحياة على المستوى الجزيئي- صرخة عالية وثاقبة تعلن عن "النظام!" النتيجة لا إبهام فيها وهامة لدرجة أنه يجب وضعها كأعظم الإنجازات في تاريخ العلوم. هذا الانتصار العلمي يجب أن ترتفع له صرخات النصر "يوريكا" من آلاف الحناجر.

ولكن لماذا لم تُفتح أي زجاجة، ولم تصفق الأيادي، وبدلا عن ذلك صمت قلق يحيط بالتعقيد الصارخ للخلية. عندما خرج الموضوع إلى العامة بدأت الأقدام تتعثر والأنفاس تتسارع. كان الناس يشعرون بشيء من الارتياح سراً: بعضهم كان صريحا وواضحا ولكن بعد ذلك أخذوا يحدقون في الأرض ويهزون الرؤوس، ومضى الأمر على ذلك. لماذا لم يقبل المجتمع العلمي اكتشافه المدهش بشوق؟ لماذا تم التعامل مع النظام بقفازات عقلية. البرهان المربك هو أن الوجه الأول للفيل مكتوب عليه نظام ذكي، والوجه الآخر مكتوب عليه الله.19

العديد من الناس لايعرفون أنهم يقبلون فكرة مزيفة ترتدي ثوب العلم بدلا من الاعتراف بالله. إن أولئك الذين لا يجدون في "الله الذي خلقك من العدم" حقيقة علمية كافية، يمكن أن يؤمنوا بأن أول حي جاء إلى الوجود جاء عن طريق عاصفة رعدية ضربت "البيئة البدائية" منذ بلايين السنين.

كما ذكرنا في هذا الكتاب،في مكان آخر، أن التوازن في الطبيعة ضخم ودقيق لدرجة لا يتوافق معها ادعاء عقلي بأنها قد تطورت مصادفة. لا يهم كم سيعاني أولئك الذين لا يمكنهم الانعتاق من اللاعقلانية، فآيات الله في السماوات والأرض واضحة تماما ولا يمكن إنكارها.

الله هو خالق السماوات والأرض وما بينهما.

آيات وجوده تشمل كل ما في الكون.


فلاسفة أخطؤوا في إنكارهم لله

رأينا في الفصول السابقة الآيات الواضحة على وجود الله، ولا شك أن ما أتينا على ذكره هنا هو جزء بسيط من وجوده الأبدي.وأينما نظر الإنسان يرى آيات تدل على وجود الخالق.

حسنا،فإذا لماذا لا يزال يوجد الكثير من الملحدين في العالم؟ بل لماذا لا يزال بعض العلماء ملحدون؟ لماذا يصرون على إنكار الله بالرغم من كل الدلائل؟

عند البحث عن إجابات تمثل أمامنا مجموعة من التحيزات الفلسفية في شكل أناس ملحدين - بما فيهم العلماء الملاحدة. بتعريف عام، تدعي الفلسفة، كما تدعي المادية، أن الكون أبدي ويعمل دون الحاجة إلى خالق. وحسب رأي الملاحدة، المادة هي القوة الوحيدة الموجودة، وأن المادة لم تُخلق وانها تعمل بطريقة غير مراقبة وليست بحاجة إلى تدخل خالق. هناك العديد من الفلاسفة الذين تبنوا هذه النظرية عبر التاريخ، بدءًا من معتنقي الوثنية السومرية القديمة، وحتى الفلاسفة الذريون (متبعي المذهب الذري) من الإغريقية القديمة والمذهبيين الماديين في العصر الحديث. كل هؤلاء ينكرون وجود الله.

إلا أن إنكارهم لا يقوم على أرض صلبة. لقد أقنعوا أنفسهم ببساطة أن المادة أبدية واعتنقوا هذا الاعتقاد. قبلوا نظرية التطور بنفس هذه المحاكمة ووضعوها في ملف إيمانهم. وكما قال العالم الأمريكي بيهي عالم الأحياء المجهرية، إنه عندما تمت مجابهتهم بإثبات مدى تعقد الحياة التي تستعصي على النشوء بطريق الصدفة، لم يقدموا سوى الصمت والتحول عن الموضوع.

يبدو من هذا الوضع أن هناك تحيز يدفع بالناس إلى وضع أنفسهم مع المادية ونتاجها الطبيعي، الإلحاد. ولا يأتي إنكارهم لله من تقييمهم للحقائق الملموسةمن وجهة نظر موضوعية، بل بالرغم من هذه الحقائق.

علاوة على ذلك هم يحاولون فرض إنكارهم هذا على العامة.

واضعو "مؤامرات الشيطان"

تشير الحملة الإعلامية المنظمة ضد الإيمان بالله إلى أن هناك حركات منظمة من قبل مراكز معينة. بتعبير آخر، هناك عدد من مراكز القوى تقوم بمحاولات جدية لخرق المعتقدات الدينيةفي المجتمع. ولن يكون غريبا أن الله قد لفت انتباهنا إلى هذه المجموعةفي القرآن. في إحدى الآيات، تنال مجموعة من البشر عقابها بنار جهنم في الآخرة فيخاطبون قوادهم الذين أضلوهم في الدنيا :

{وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا..} [سبأ: 33].

هؤلاء الذين يحيكون المؤامرات الشيطانية ويأمرون الآخرين أن يجحدوا بالله، موجودون في كل زمن عبر التاريخ تحت أسماء مختلفة. صفاتهم الأساسية دائما واحدة . وصفهم الله عز وجل في القرآن، فنجدهم في سورة المؤمنون "مترفيهم" (المؤمنون -64)، وفي سورة الأعراف: {الذين استكبروا من قومه} [الأعراف: 75]، مما يعني أن هؤلاء يتمتعون بامتيازات مادية واسعة، ويرفلون بالمظاهر الاجتماعية ويتكبرون ويتجبرون بما لهم من ممتلكات. وبما أن الدين يجردهم من ما اخذوه من غير وجه حق، فلا بد من أن يعملوا على إلغاءه. هذا السبب وراء تلفيقهم "للمؤامرات الشيطانية التي يقودون فيها مجتمعهم إلى الردة.

بالطبع ليس هناك تعريف وحيد لهذه القوى المنظمة، فهم يتخذون هويات وأشكالاً مختلفة في مجتمعات مختلفة.

على كل حال، إذا نظرنا إلى تاريخ القرون الثلاث أو الأربع الماضية نأتي على منظمة دولية تتوافق مع الوصف الذي جاء في القرآن الكريم.

المنظمة هي الماسونية

عند هذه النقطة لا بد من التركيز على المعركة العالمية التي أخذتها الماسونية على عاتقها والتي تم دعمها من قبل مركز قوى أشار إليه القرآن: اليهود. وبالرغم من أن اليهودية دين سماوي وأن اليهود هم معتنقو هذا الدين، إلا أنهم لعبوا، كما أسلفنا، دورا في الدعاية المعادية للأديان عبر العالم. يعود هذا بالدرجة الأولى إلى البديل الاستبدادي للعهد القديم الذي وضعه الأحبار وللمعتقدات المدسوسة في الدين النقي الذي أنزل على النبي موسى عليه السلام. وبتعطل اليهودية عن كونها ديناً سماوياً بسبب البدائل التي أدخلها الأحبار عليه، اصبحت اليهودية مذهبا عالميا شوفينياً "متعصبا إلى الوطن". أما اليهود المحافظون، الذين يعتبرون الدين مقتصرا عليهم، أخذوا منحى آخر فاعتبروا أن الدينين المسيحي والإسلامي أديان خاطئة لذلك عليهم إبادتها. هذا التداخل الممتع جعل هؤلاء يعملون كقوى تسعى لإزالة كل المعتقدات الدينية من على وجه البسيطة. هذا هو منطق التحالف بين اليهودية والماسونية.

دور الماسونية

أرست هذه المنظمة السرية جذورها في العالم الغربي وانتشرت منه إلى أصقاع العالم الأخرى، وكانت دائما مصدر الأفكار والفعاليات المعادية للدين في كل بلد.

يكشف استقصاء مغلق عن تاريخ الحرب ضد الدين التي تخاض في كل البلدان خلال القرنين الماضيين أن الماسونية كانت دائما مركز هذه المحاولات وتاريخ أوربا جزء واضح من هذا. ولهذا السبب اتخذ قائد العالم الكاثوليكي البابا ليو الثامن موقفا خاصا من الماسونية في منشوره الباباوي الشهير عام 1884 "جنس بشري"، الذي وصف فيه أهداف المنظمة كما يلي:

"في وقتنا الحاضر، ومع دعم ومساعدة تجمع يدعى الماسونية، الذي أصبح له منظمة كبيرة وقوية، اتحدت محاولات أولئك الذين يعبدون قوى الظلام . ولم يعد هناك ضرورة لاخفاء نواياهم المريضة وحربهم ضد الذات الإلهية. إن كل محاولات الماسونية تقود إلى هدف واحد : القضاء على كل الروابط المسيحية الدينية والاجتماعية وإنشاء نظام جديد من القواعد يقوم على مبادئ المادية وأفكارها الخاصة".20

كان هذا التحليل الباباوي صحيحاً تماما ، فعندما نراجع المنشورات الماسونية المعاصرة، نرى أن الهدف الأساسي لها هو القضاء على كل العقائد الدينية في المجتمع. يعلن الماسوني التركي في أحد منشوراته كيف يمكن القضاء على الأديان بترويج العلوم الوضعية في المجتمع:

"في النهاية أريد القول بأن مهمة الإنسانية والماسونية التي تقع على عاتقنا ليست الابتعاد عن العلوم الوضعية والعقل، بل نشرها والترويج إلى أنها السبيل الوحيد للتطور، وتثقيف العامة بهذه العلوم الوضعية. ولإرنست رينان ملاحظة جديرة بالذكر: "إذا كان من الممكن تثقيف العامة وتنويرها بالعلوم الوضعية والعقل، أمكن في النهاية القضاء على الأفكار الدينية الفارغة".21

المقصود هنا بالعلوم الوضعية الفلسفة المادية التي تنكر وجود كل شيء لم يأت عن طريق التجربة والملاحظة. مهمة الماسونية، من جهة أخرى هو فرض هذه الفلسفة على الناس باسم العلم وهكذا يُقضى على المعتقدات الدينية. ولنظرية التطور دور كبير في إنجاح مخطط هذا التجمع، كما هو موضح في المقطع السابق. والماسونية تحمل على عاتقها نشر هذا المذهب في المجتمع.

إن الصلة التنظيمية عامل هام وهو وراء انتشار الفلسفة المادية ونظرية التطور في كل زاوية من العالم.لقد لعبت الماسونية وإفرازاتها دورا هاما في الدعاية التنظيمية التي تم تنفيذها ضد المعتقدات الدينية في القرنين الماضيين. وهذا هو السبب وراء كون مؤسسي الأنظمة الفلسفية المختلفة الذين ينكرون الله ماسونيين.

الفلاسفة الماسونيين

ذكرنا آنفا أن مؤسسي الأنظمة الفلسفية المعادية للدين هم في الواقع جزء من حرب دينية تُخاض ضد الدين، لذلك نجد غالبية الفلاسفة الذين أوجدوا هذه الأنظمة هم جزء من المنظمة الماسونية، التي تقف في مركز هذه الحرب.

وفي هذا السياق نذكر أن أكثر الفلاسفة الذين اجتذبوا اهتماما سريعا هم من العقول الفرنسية، التي حضرت للثورة الفرنسية. إذ لم يكتف هؤلاء بانتقاد السلطات الدينية، بل تعداه إلى عداء للدين يتسم بالعنف.من بين هؤلاء Diderot ديديروت مؤلف "نظام الطبيعة" الذي يشار إليه على انه إنجيل المادية، وفولتير Voltair، الذي كان ماديا متحمسا ومعاديا للدين، والمادي المتطرف مونتيسك Montesquieu وجان جاك روسو Jean Jacques Rousseau الذي قال بدين جديد خاص به؛ وواضعي "الموسوعات" كلهم ملتزمون بالمذهب المعادي للدين. تقول المجلة الماسونية التركية "ميمار سنان" عن هؤلاء الأشخاص:

"تم الترتيب للثورة الفرنسية من قبل الجماعات الماسونية. لقد كتب إعلان حقوق الإنسان الذي يتبنى مبادئ الحرية والمساواة والأخوة بإلهام وتوجيه من الأسياد مثل مونتسكو، فولتير، روسو وديديروت.22

وتقول "المجلة الماسونية" الصادرة عن الماسونيين الأتراك أيضا:

"إن الدعائم التي قام عليها نظام الضغائن في فرنسا والذي أشعل فتيل الثورة الفرنسية تم وضعها من قبل مونتسكو، فولتير، روسو والمادي القائد ديديروت الذي التف حوله الموسوعيون. كلهم كانوا ماسونيين."23

تطورت المادية والأفكار المعادية للدين بشكل متزايد في السنوات التي تلت الثورة الفرنسية ووصلت ذروتها في القرن التاسع عشر. وعندما ننظر إلى قواد هذه الحركة نجدهم من الماسون.

من الجدير بالذكر أيضا أن هناك العديد من اليهود بين هذه الأسماء، وهذا يوضح أن اليهود الذين كانوا دائما حلفاء للماسونية، يجاهدون في سبيل إضعاف الأديان السماوية مثل المسيحية والإسلام ويعتنقون فكرة المادية العالمية، التي تخدم نفس الغرض على المستوى الفلسفي

وراء صور الاشتراكية

في بافاريا جنوب ألمانيا وجدت عام 1776 جماعة منحرفة، مؤسس هذه الجماعة التي تطلق على نفسها لقب "المستنيرين" هو الأستاذ في القانون المدعو آدم فايسهاوبت Adam Weishaupt. تتميز هذه الجماعة بأمرين: الأول أنها مجتمع سري جدا والثاني أنها وضعت لنفسها برنامجا سياسيا طموحا جدا. وتم تحديد هدفين أساسيين ضمن هذا البرنامج الذي وضعه فايسهاوبت:

1 - إلغاء الملكية والأنظمة الحكومية.

2 - إلغاء كافة الأديان السماوية الموحدة.

وكان موقف هذه الجمعية تجاه الدين شديد العدائية. وحسب رأي المؤرخ الإنجليزي ميشيل

هاوارد، فإن فايسهاوبت كان يعاني من "كره مرضي" للأديان السماوية من أي نوع.24

كان هذا المجتمع في الحقيقة نوعاً من المحافل الماسونية، وكان فايسهاوبت من المترفعين في الماسونية، وقد قام بتنظيم خطوط طويلة في الأسلوب التنظيمي التقليدي للمحافل الماسونية. ونما المتنورون بسرعة مذهلة. وفي عام 1780 وبالاشتراك مع بارون فون كنيغه Baron Von Knigge، واحد من أكبر السادة في المحافل الماسونية الألمانية بدأت قوة هذه الجمعية تتزايد بشكل كبير.

كان فايسهاوت وكنيغه يخططان لأرضية ثورية اشتراكية بكل معانيها ما عدا اسمها في ألمانيا ، وعندما اكتشفت الحكومة ما يخططان له، وجدا أنه من الحكمة أن يقوما بحل المنظمة. وضُمت فعالياتها إلى محافلهم الماسونية المنتظمة. كان هذا الاتحاد عام 1782.

وفي وقت مبكر من القرن التاسع عشر قام مجتمع آخر في ألمانيا يحمل نفس أفكار "المستنيرين" وأطلق على نفسه اسم "مجتمع الشرفاء". ومع الزمن تغير اسمه إلى "جمعية الشيوعيين". أراد رئيس هذه الجمعية وضع برنامجٍ سياسيٍ لهذه المجموعة، وأول اثنان تم استدعاؤهما لكتابة هذا البرنامج كانا شيوعيين متشددين هما: كارل ماركس Karl Marx وفريدريك إنجلز Fredrik Engels! كتب هذان الشيوعيان البيان الرسمي الشيوعي في تعليمات جمعية الشيوعيين هذا. إحدى العبارات المشهورة المضللة في هذا البيان عبارة "الدين أفيون الشعوب"، ويدّعي البيان أن إلغاء المعتقدات الدينية من متطلبات "المجتمع اللاطبقي" المثالي، الذي وضع على أنه أمل الإنسانية الوحيد في الخلاص. يجب الانتباه إلى أن كلاً من ماركس وإنجلز من أصل يهودي.

واستمرت هيمنة اليهود والماسون في الحركة الشيوعية في السنوات التالية. يمكن ذكر بعض أسماء القادة منهم:

· فريديناند لاسل: كان لاسل الصديق الأقرب إلى ماركس دافع عن التسلط الشيوعي الثوري.

· فيكتور آدلر: باعتباره اليد اليمنى لإنجلز، قام آدلر بالتبشير بالشيوعية. أصبح ابنه فريدريك آدلر قائد الحزب الشيوعي النمساوي.

· موسى هيس: ولد في عائلة يهودية محافظة، كان شيوعيا وصديقا حميما لماركس، كما كان صهيونياً نشيطاً. تزعم الحركة الصهيونية في أوربا من خلال كتابه "روما والقدس" وعمل على تأسيس دولة يهودية في فلسطين. كما كان مدافعا مخلصا عن الداروينية طوال حياته.

· جيورجي لوكاكس: من عائلة يهودية ثرية كتب العديد من الكتب يدافع بها عن الشيوعية. ساعد في انتشار المذهب الشيوعي بين الشبان.كان أحد الشخصيات القيادية التي أوصلت الشيوعية في هنغاريا إلى السلطة.

· فلاديمير لينين: يهودي، أصبح كغيره من القادة البلشفيين في روسيا، مؤسس أكثر الأنظمة دموية واستبدادية في العالم.

· هيربرت ماركوس: من أبناء إحدى العائلات اليهودية، أعاد ماركوس تفسير الماركسية وأعد للاضطراب الطلابي الذي حصل في عام 1968. استحث الحركات اليسارية الجامعية التي انتشرت عبر العالم وطور المذهب الفوضوي، الذي سبب ولا زال يسبب موت الكثير من الشبان.

الفلسفة ومفكرتها الخفية

عندما ننظر إلى تاريخ الفلسفة، نجد فلاسفة آخرين ملحدين ومعادين للدين يمكن تمييزهم بهويتهم الماسونية. من بينهم مفكرون مثل دافيدهوم، هولباخ، شيلينغ، جون ستيوارت ميل، أوغست كومن، ماركيز دو ساد، واشتراكيون مثل إميل دوركايم، فريديناند تونيس، هربرت سبنسر، سيغموند فرويد، هنري بيرغسون وإريك فروم. كل هؤلاء من أصل يهودي، وكلهم ناضلوا من أجل إبعاد الناس عن الدين وإنشاء نظام اجتماعي وعقلاني لا يمت إلى الدين بصلة. لا ضرورة للقول بأن تشارلز داروين ونظرياته كانت موضع اهتمام كبير بين هؤلاء الأشخاص. من أهم النقاط التي تجب ملاحظتها هنا، هي أن الفلسفات المادية والتي تم انتاجها من قبل مفكريها، والآلاف من أشباههم، تخدم مصالح سياسية واجتماعية معينة. وكما أسلفنا، فإن أهم الأسباب التي تكمن وراء إنكار الناس لله هي عدم ارتياحهم للدين، الدين الذي يعتبر النتيجة الطبيعية للإيمان بالله.حاول هؤلاء الأشخاص الالتجاء إلى الإلحاد لدعم أنفسهم بعد ما انفلتوا من الدين لأنه يتعارض مع مصالحهم أو مصالح الهيئات التي يمثلونها.

لهذا السبب لا يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يروا آيات الله، أو بالأحرى ليست لديهم الرغبة في أن يروا. ناضل هؤلاء لمنع الإيمان بوجود الله ونشروا هذا الإلحاد عبر المجتمعات بشكل عام. وفي النهاية، فإن الذين ينسون الله هو أيضا ينساهم (التوبة 67).

لذلك يمضي بعض الأشخاص حياتهم دون أن يذكروا الله تسبيحا ظنا منهم أنه مفصول عنهم. إلا أن الإنسان يجب أن لا يُخدع بهذا "الحشد الفارغ"، لأن الله أخبرنا في القرآن أن أكثر الناس لا يؤمنون (سورة الرعد -1).وتشير هذه الآية أيضا إلى نفس الموضوع:

{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام: 116].

(لمزيد من المعلومات انظر: الماسونية الجديدة لهارون يحيى)


أضرار نموذج المجتمع

الذي لا يؤمن بالله

قال الله انه خلق الإنسان حسب نظام معين في الكون: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها..} [الروم: 30]. ويقوم تنظيم الإنسان على عبوديته لله وإيمانه به. وحيث أنه لا يمكن للإنسان أن يحقق رغباته وحاجاته اللامحدودة، وجب عليه أن يتواضع أمام الله وأن يُقبل عليه.

وإذا ما عاش الإنسان على هذا الأساس، لقي السعادة والثقة والأمان، وإذا أدار ظهره بعيدا عن الله عاش حياة البؤس والشقاء والأحزان والخوف.

وما ينطبق على الإنسان ينطبق على المجتمع، فإذا كان المجتمع مكونا ممن يخافون الله أصبح عادلا آمنا وسعيدا. ولا شك أن العكس صحيح. فإذا كان المجتمع لا يعرف الله فإن نظام هذا المجتمع محطم من أساسه وفاسد وبدائي.

وعند التأمل بأوضاع المجتمعات البعيدة عن الله، تظهر هذه الحقيقة بجلاء. إن إلغاء المفهوم الأخلاقي ونمو مجتمعات فاسدة تماما هو أحد أهم النتائج التي يفرزها الفكر اللاديني. إن الحضارة التي تعتمد على مخالفة الروابط الأخلاقية والدينية والتوجه الكلي إلى إشباع رغبات الإنسان، هي حضارة ظالمة في كل المفاهيم العالمية. في ظل نظام كهذا، يتم التشجيع على الانحرافات الجنسية وإدمان المخدرات. وفي النهاية ينمو مجتمع مجرد من الحب الإنساني، أناني، جاهل، ضحل وخال من المشاعر.

من المؤكد أنه لا يمكن الاحتفاظ بالأمان والحب والأمل في المجتمعات التي يعيش فيها الناس فقط من أجل إشباع رغباتهم. ففي مجتمعات كهذه يعيش البشر على أساس المصالح المتبادلة التي تحكم العلاقات، ويسود انعدام الثقة. وعندما لا يكون هناك من سبب يدفع الإنسان لأن يكون صادقا وشريفا وأمينا، فلا شيء يقف في وجه النفاق والأخوة الزائفة والخيانة. أعضاء هذه المجتمعات اتخذوا الله وراءهم ظهريا (هود 92) وهم لا يعرفون الخوف من الله. وبما أنهم غير قادرين على "تقدير الله حق قدره"، فليس لديهم فكرة عن اليوم الآخر ويوم الحساب. بالنسبة إليهم، اليوم الآخر ليس إلا ذكرا في الكتب المقدسة. لا يفكرون أنهم سيقفون بين يدي الله بعد الموت ليُحاسبوا عن كل الذنوب التي ارتكبوها خلال حياتهم في الدنيا. أو أنهم سيخلدون في عذاب جهنم. وفي حال فكروا بهذا فلا بد أنهم سيدخلون الجنة بعد أن "يسددوا حساب أخطائهم"، كما جاء في الآية الكريمة: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيام معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} [آل عمران: 24].

وهكذا يقضون حياتهم يفعلون ما يحلو لهم لإشباع حاجاتهم ورغباتهم.

تسفر هذه الحالة، بالطبع عن انحلال أخلاقي مثل ذلك الذي نراه في العديد من مجتمعات اليوم. حسب محاكمتهم يعتقدون: "أنهم لن يأتوا إلى العالم سوى مرة واحدة، وأنهم لن يعيشوا أكثر من 50-60 عاما فليأخذوا من الدنيا قدر ما يستطيعون". النظام الفكري الذي تقوم عليه هذه المحاكمة الخاطئة، سيحمل معه كل أنواع الظلم والبغاء والسرقة والانحلال الأخلاقي والجريمة والاحتيال. وعندما يفكر الإنسان أنه يعيش لإشباع رغباته فقط، فكل شيء بعده - بما فيه عائلته وأصدقائه- له أهمية ثانوية. أما أفراد المجتمع الآخرون فليس لهم أية أهمية.

يمنع انعدام الثقة بين الأشخاص في بنية المجتمع القائم على علاقات المصلحة إلى حد بعيد الشعور بالأمن على كلا المستويين الاجتماعي والفردي ويعيش الناس فيه بقلق دائم وشك ومشاكل. ويعيش الناس بخوف وخطر دائم لا يعرفون من أين وممن يمكن أن يأتيهم الشر. ويجعل الشك والقلق حياتهم مجردة من معاني السعادة. وفي مجتمع تُهمل فيه كل أنواع القيم الأخلاقية، تصبح نظرة الناس للمفاهيم مثل الأسرة والطهارة والأمانة في خطر، لأن الناس لا يخافون الله.

في هذه المجتمعات لا تعتمد علاقات الناس فيها على الحب والاحترام المتبادلين.، ولا يظهرون أي نوع من المواقف المحترمة تجاه بعضهم الآخر طالما أنه ليس هناك سبب ملح.. في الحقيقة هم على صواب في محاكماتهم الجاهلة لتصرفهم بهذه الطريقة. لقد تعلموا خلال حياتهم أنهم تطوروا عن الحيوانات وأن أرواحهم ستذهب إلى الأبد بعد موتهم، فلماذا يحترمون جسدا منشؤه قرد سيدفن تحت الأرض ولن يروه مرة أخرى. فحسب منطقهم الفاسد " كل الآخرين، كما هم أنفسهم سيموتون وتدفن أجسادهم وتتلاشى أرواحهم ، فلماذا يهتمون بصنع الخير للآخرين، ويضحون بأنفسهم؟". تخترق هذه المفاهيم لا شعور كل إنسان لا يؤمن بالله وبالتالي باليوم الآخر. لا يوجد مكان في المجتمعات التي لا تؤمن بالله للأمن والسعادة والثقة.

ليس الهدف من كل ما ذكرناه أن نقول: "أن التحلل مصير المجتمعات التي لا تؤمن بالله، ولذلك عليهم أن يؤمنوا بالله". يجب الإيمان بالله لأنه موجود وكل من ينكر الله يرتكب إثما كبيرا أمام الله. هدفنا من القول بأن المجتمعات التي لا تؤمن بالله مجتمعات فاسدة هي التأكيد على أن مفاهيم هذه المجتمعات الأساسية خاطئة. والمفاهيم الخاطئة تقود إلى عواقب وخيمة. فلا بد للمجتمعات التي تنكر وجود الله من أن تعاني أسوأ النتائج. هذه النتائج تستحق الاهتمام لأنها تظهر الخطأ الذي تقوم عليه هذه المجتمعات.

الخاصية المشتركة بين هذه المجتمعات أنها خُدعت جُملةً. وكما ورد في الآية الكريمة: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام: 116]، فإن معظم المجتمعات التي تشترك بخصائص عامة تشكل جمهورا يزيد من الكفر الموجود. ويصف الله هذه المجتمعات التي تنكر وجوده واليوم الآخر في القرآن بالجاهلين، بالرغم من أن أفراد هذه المجتمعات قد تقوم بدراسات علمية وفلسفية وتاريخية وما إلى ذلك من علوم ، إلا أنهم يفتقدون حس التعرف على قوة وعظمة الله وفي هذا هم جاهلون.

وبما أن أفراد هذه المجتمعات غير مخلصين لله، فهم يبتعدون عن سبيله بطرق مختلفة. يتبعون العباد الجاحدين بالله، كما هم أنفسهم، يتخذونهم مثلا ويعتنقون أفكارهم. وكما هو مألوف تنتهي المجتمعات الجاهلية إلى مجتمعات مغلقة تتسبب في ازدياد نسبة العمى لديها. وتصبح أكثر ابتعادا عن العقل والوعي. وكما قلنا، فإن الملاحظ في أفراد هذه المجتمعات أنها تعمل بانسجام مع المذاهب المعادية للدين. في صورة قرآنية يخبرنا الله عز وجل في إحدى الآيات أن الدمار مصير هذه الحياة التي تقوم على أسس فارغة وفاسدة:

{أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} [التوبة: 109].

هناك أيضا نقطة أخرى يجب أن نتذكرها: أن كل إنسان وكل مجتمع لديه الفرصة للتخلص من هذه الطريقة في الحياة وفلسفة الجهل. لقد أرسل الله لهم الرسل ليعلموهم وينذروهم عن وجود الله واليوم الآخر ويخبروهم عن معنى الحياة . ومع رسله أرسل الله الكتب الصحيحة التي تجيب عن كل الأسئلة التي يطرحها الناس. هذا قانون الله الموجود منذ الأزل. في يومنا هذا، القرآن هو كتاب كل الناس يبين لهم الطريق الصحيح ويبعدهم عن طريق الظلمة. يحاسب الناس على اختياراتهم . قالت لهم رسلهم التي جاءتهم بالكتب:

{قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل} [يونس: 108].


 
    
2004 Harun Yahya International. All materials in this site may be copied, printed, distributed and published for free. info@harunyahya.com